خطأ الوكيل في قبول الزواج

خطأ الوكيل في قبول الزواج
الشيخ عبد الرحمن الضحيك

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:
فـ «خطأُ الوكيل في قبول الزواج» قضيةٌ يتكرر حدوثها بسبب الغفلة أو الجهل.
وصورةُ المسألة: أن يعقد وكيلُ الزوج النكاحَ بألفاظٍ تخالفُ مقصود الموكِّل، فيعقد العقد بلفظٍ يعود إلى نفسه خطأً، وهذا الخطأ إما أن يكون بسبب الغفلة من الملقِّن أو الجهل بتلقين ألفاظ الإيجاب والقبول.
وفي حال كون الزوج غائباً، والذي يتولى العقدَ هو وكيلُه فقد يقع الخطأ في لفظ ولي أو وكيل المرأة، كما قد يقع في لفظ وكيل الزوج، وهذا البحث يتعلّق بخطأ وكيل الزوج مثل أن يلقِّن العاقدُ الطرفين؛ فيلقِّن وكيلَ الزوج أن يقول: وأنا قبلتُ زواجَ موكِّلتك أو ابنتك.
فهل يكون العقد صحيحاً أو غير صحيح؟ وإذا قلنا بصحته فهل ينعقد العقد للوكيل عملاً بظاهر اللفظ؟ أو أنه ينعقد للموكِّل؛ إعمالاً للنية؟
اختلف العلماء في هذه المسألة، والاختلاف فيها على فرعين:
الفرع الأول: أن ينوي العاقد بالعقد موكِّلَه.
والفرع الثاني: أن ينوي العاقد بالعقد نفسَه.
أولا: أن ينوي العاقد بالعقد موكله:
اختلف العلماء فيما إذا وقع الخطأ في قبول وكيل الزوج بأن قال: قبلتُ زواجها، ونوى بذلك موكِّلَه، ولم يقل: قبلتُ زواجَها لموكّلي فلان، وفيما يلي بيان المذاهب الفقهية:
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: ينعقد العقد في هذه الحالة للوكيل عملاً بظاهر اللفظ.
جاء في كتاب المحيط البرهاني في الفقه النعماني: «في «فتاوى أبي الليث» رحمه الله: رجلٌ وكّل رجلاً أن يخطب له ابنة فلان الوكيل إلى أبي المرأة، فقال: هب ابنتك مني، فقال الأب: وهبتُ، ثم ادّعى الوكيل أني أردت النكاح لموكلي، إن كان القول مِن المخاطب وهو الوكيل على وجه الخطبة، ومن الأب على وجه الإجازة على وجه العقد لا ينعقد النكاح بينهما أصلاً، وإن كان على وجه العقد ينعقد النكاح للوكيل لا للموكل».
مذهب المالكية:
قال المالكية إن أطلق اللفظ ونوى به موكّله صح العقد للموكِّل.
جاء في مواهب الجليل في شرح مختصر خليل: «وصيغة العقد مع الوكيل أن يقول الولي للوكيل: زوجت فلانة من فلان، ولا يقول: زوجت منك، وليقل الوكيل: قبلتُ لفلان. ولو قال: قبلت؛ لكفى إذا نوى بذلك موكِّلَه».
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: إن نوى بالعقد الموكّل لم يصح؛ وذلك لعدم توافق القبول للإيجاب، ولمخالفة اللفظ للنية.
قال الغزالي في الوسيط في المذهب: «ولو قال: زوجتُ مِنك، فقال: قبلتُ، ونوى مُوكّله لم يَقع للْمُوكّل، وفي البيع يَقع مثلُه للمُوكّل؛ لأنّ مَعقود البيع قابلٌ للنّقلِ بخلاف مَعْقود النّكاح».
وقال في فتح العزيز شرح الوجيز: «ولو قبل نكاحاً ونوى موكّلَه لم يقع للموكِّل بخلاف البيع».
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: إن نوى الوكيل في العقد الموكِّل فوجهان:
الأول: لا يصح العقد، وهذا يوافق مذهب الشافعية.
والثاني: أنه يصح للموكل، وهذا يوافق مذهب المالكية.
قال المرداوي في الإنصاف: «يعتبر أن يقول الولي، أو وكيله، لوكيل الزوج: زوجتُ فلانة لفلان، أو: زوجتُ موكّلك فلاناً فلانة. ولا يقول: زوجتُها منك. ويقول الولي: قبلتُ تزويجَها، أو نكاحَها لفلان. فإن لم يقل: لفلان؛ فوجهان في الترغيب. وتابعه في الفروع. وقال في الرعاية: إن قال: (قبلتُ هذا النكاح) ونوى أنه قَبِله لموكّله، ولم يذكره: صح. قلت: يحتمل ضده. بخلاف البيع».
ثانياً: أن ينوي العاقدُ بالعقد نفسَه.
مذهب الحنفية:
قال الحنفية إن نوى العاقد نفسه فإن العقد ينعقد صحيحاً، ولا عبرة لمخالفة الموكِّل في ذلك.
جاء في الفتاوى الهندية نقلاً عن المحيط البرهاني: «وكّل رجلاً أن يخطب له ابنة فلان فجاء الوكيل إلى أبي المرأة، وقال: هب ابنتك مني، فقال الأب: وهبتُ، ثم ادعى الوكيل أني أردت النكاح لموكلي: إن كان القول مِن الخاطب وهو الوكيل على وجه الخطبة، ومن الأب على وجه الإجابة، لا على وجه العقد لا ينعقد النكاح بينهما أصلاً. وإن كان على وجه العقد ينعقد النكاح للوكيل لا للموكّل. وكذا إذا قال الوكيل: قبلتُ لفلان؛ لأنّ الوكيل لما قال: هب ابنتك مني، وقال الأب: وهبتُ تم العقد بينهما. وأما إذا قال الوكيل: هب ابنتك مِن فلان، فقال الأب: وهبتُ؛ لا ينعقد النكاح ما لم يقل الوكيل: قبلتُ، فإذا قال: قبلتُ لفلان أو قال: قبلتُ مطلقاً ففي الوجهين ينعقد العقد للموكل هكذا في المحيط».
مذهب المالكية:
لم يصرح المالكية -فيما بين يدي من المصادر- فيما إذا نوى نفسه أو لا. لكن يفهم من عبارتهم: «ولو قال: قبلت، لكفى إذا نوى بذلك موكّلَه» أنه إن نوى نفسه لا ينعقد. وذلك بناء على أن مفهوم المخالفة معتبر في متون الفقهاء.
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: لو قال قبلت وأطلق ولم يعين فوجهان:
أحدهما: لا يصح العقد، وبالتالي لا يترتب عليه أي أثر، وهذا هو الأصح في المذهب.
والثاني: يصح العقد للوكيل.
جاء في الوسيط في المذهب: «ولْيقل الوليُّ للوكيل في القبول: زوجتُ فلانة مِن فلانٍ، ولا يقل: منك. ويقول الوكيل: قبلتُ لفلانٍ. فلو اقتصر على قوله: قبلتُ: ففيه وجهان؛ لتردّده بينه وبين الموكِّل. ولو قال: قبلتُ لنفسي لم يصحَّ له ولا للموكِّل؛ لأنه مخالفٌ للخطاب».
وقال الغزالي: «ويقولُ الوكيلُ: قبلتُ لفلانٍ فلو قال: قبلتُ لم يكفِ في أحدِ الوجهينِ».
قال الرافعي: «فإِذا كان يزوّج وكيلُ الولي مِن الخاطب، فيقول: زوّجتُ بنتَ فلانٍ مِنك، وإذا كان يزوج الولي ويقبل وكيل الخاطب، فيقول: زوّجتُ بنتي مِن فلانٍ، ويقول الوكيل: قبلتُ نكاحَها له، فلو لم يَقُل: له، فعلى الوجهينِ المذكورينِ فيما إذا قال الزّوجُ: قبلتُ، ولم يَقُلْ: نكاحَها أو تزويجَها».
قال النووي في المجموع: « إذا كان العقد بين بائعٍ ووكيلِ المشتري فليقل البائع له: بعتكَ، ويقول الوكيل: اشتريتُ، وينوي موكّلَه فيقع العقدُ للموكّل، وإن لم يسمّه. فلو قال البائع: بعتُ موكّلك فلاناً، فقال الولي يقول لوكيل الزوج: زوجتُ بنتي فلاناً يعني الزوج، ويقول الوكيل: قبلتُ نكاحَها له. فلو لم يقل: له؛ ففيه الخلاف المشهور فيما إذا قال الزوج: قبلتُ، ولم يقل: نكاحَها، الأصحُّ: لا يصح».
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: إن نوى الوكيل تزويجها لنفسه فإن العقد ينعقد صحيحاً، لكنه موقوف على إجازة الموكل، فهو كتصرف الفضولي.
قال المرداوي في الإنصاف: «ليس للوكيل المطلق أن يتزوجها لنفسه. فإن فعل فهو كتزويج الفضولي».
وقال البهوتي في دقائق أولي النهى لشرح المنتهى: «(ولا يملك وكيل به) أي بالتوكيل المطلق (أن يزوجها مِن نفسه) كالوكيل في البيع؛ لأن إطلاق الإذن يقتضي تزويجها غيره».
النتائج:
أولا: إن نوى العاقد بعقده الموكل فثلاثة مذاهب:
الأول: أنّ العقد يصحّ للوكيل لا للموكل؛ عملاً بظاهر اللفظ. وهو مذهب الحنفية.
الثاني: أنّ العقدَ يصحّ للموكّل؛ عملاً بنية العاقد. وهو مذهب المالكية، وأحد الوجهين عند الحنابلة.
الثالث: أن العقد يكون باطلا ولا أثر له. وهو مذهب الشافعية، والوجه الآخر للحنابلة.
ولعل الأقرب مِن هذه الأقوال هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني مِن أنّ العقد يصح للموكّل عملاً بنية العاقد، وعملاً بالقاعدة التي تنص على أنّ (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني) ، وحملاً لعقود الناس على الصحة ما أمكن. والله أعلم.
ثانيا: إن نوى الوكيل نفسه ولم يقصد موكله، ففيه ثلاثة مذاهب أيضاً:
الأول: أنّ العقد يصح للوكيل لا للموكل. وهو مذهب الحنفية، ومقابل الأصح عند الشافعية.
الثاني: أن العقد باطل ولا أثر له. وهو الأصح عند الشافعية، ويُفهم مِن إطلاق المالكية.
الثالث: أنه ينعقد صحيحاً للوكيل، لكنه موقوف على إجازة الموكل. وهو مذهب الحنابلة.
ولعل الراجح من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني مِن أنّ العقد باطل ولا أثر له؛ وذلك لمخالفة الوكيل مقصود الموكل، واختلاف الإيجاب والقبول.
ولعل هذه المسألة يمكن قياسها على ما ذهب إليه الحنفية مِن أنّ المرأة البالغة تملك التوكيل بالزواج، فلو أنها وكّلت بتزويجها مِن رجلٍ معين، فخالف الوكيل فزوّجها مِن آخر، فإنه لا يصح؛ لمخالفة الوكيل مقصود الموكل، فكذلك هذه.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.